تقييدات لما ورد في درس شرح المرقاةمن ملحظٍ أو توضيحٍ أو نِكات.


علم المنطق

المنطق هو بحثٌ عن طُرق الاستدلال، ما السبيل السليم للاستدلال وما السبيل الفاسد للاستدلال، مهمة المنطقيِّ هي معرفة السبيل السليم عن الفاسد للاستدلال، ولما أن جميع العلوم المدونة نظرية -فلو كانت بديهية لما احتِيج لتدوينها- أي تحصيلها بالنظر والفكر، أي نحتاج في جميع العلوم إلى النظر والفكر، ففائدة المنطق تعم جميع العلوم لأن في جميعها نحتاج إلى النظر، وفي المنطق نبحث عن النظر والفكر، وهنا ينبغي التنبه لأمر، وهو أننا في المنطق نبحث عن السبيل السليم للتفكير لا بمعنى كل سبيل سليم، في كل جزئية جزئية، بل نذكر قواعد التفكير الصحيح، أي نبحث عن الوجه الكليِّ للطريق الصحيح للتفكير، فبعده يبقى تطبيق هذه القواعد. فالمنطقي حين يعرف المنطق فهو يعرف القواعد الكلية للتفكير الصحيح، فيبقى تطبيق هذه القواعد في المادة الجزئية، فقد يعرف القاعدة الكلية ويُخطئ في التطبيق! ولو ضمن المنطق الصحة في التفكير في جميع المباحث لما كان هناك حاجة لأن يتعلم المرء علما آخر غير المنطق، فأنت الآن علمت قاعدة كلية في التفكير، يبقى الآن تطبيقها وقد تخطئ، في المنطق نحن في مرحلة نظرية وضع القاعدة، أما حال التفكير في أي جزئية من الجزئيات فهي مرحلة التطبيق، وقد يرد الخطأ ولا يعني هذا أن المنطق فيه خطأ، ولو ضمن المنطق الصحة في جميع الأفكار الجزئية لما كانت هناك حاجة إلى تعلم أي علم من العلوم، فصحة المنطق لا يضمن لك الصحة في الطبيق.

نشأته

المنطق على وجه التقريب نشأ ودون في القرن الرابع قبل الميلاد، فالذي حدث أن في القرن الخامس تقريبا أو قبله نشأت جماعة في اليونان نعرفهم اليوم بـالسفسطائيين كانوا يسموون بـ Sophists، و Sophist بمعنى الحكيم، وكانوا جماعة من العلماء بارعين وماهرين في الخطابة وعرض المسألة، وكانوا يتجولون في المدن يعلمون الناس والشباب مقابل المال، أشهرهم بروتاغوراس/Πρωταγόρας، غورغياس/Γοργίας.. فمهمتهم هي تعليم الخطابة، وأي شيء أكان صحيحا أم خطأ يُعَلموْن الدفاع عنه وإلزامَ الخصم، وحتى هذه الطريقة تأثرت بمن سبق من الفلاسفة الذين ذهبوا مثلا إلى طرح سؤالٍ ثقيلٍ عن ماهو أصل العالم؟ من أين نشأ الكون؟ ما أصل المواد؟ فمنهم من ذهب إلى أن الأصل الماء، والأخرُ الهواء.. فهذه الاختلافات قد يكون لها أثر لما توصل إليه هؤلاء الـالسفسطائيين/Sophists، إذ زعموا أنه لا شيء ثابت وأن الإنسان هو مدار الأشياء، مثلا بروتاغوراس له مقولة مشهورة: الإنسان هو مدار كل شيء، فهم اكتفوا بالحسِّ في الحقيقة، فقالوا كل شيء يبدوا لك فهو صحيح لك، نعرفهم في تراثنا بالعنديين، فكيف تثبت موقفك لا يهم، إن كان خطأ أو صوابا لأنه في الأساس ما من خطأ وصواب لأن ما يبدو لك هو الصواب، فأدى هذا إلى أن لا شيء ثابتٌ في نفس الأمر وكل شيء صحيح بالنظر إليك وذاك صحيح بالنظر إليه، وهم ما يمسى في تراثنا بالعنديةِ، وبروتاغوراس هو العالم الكبير في هذه النحلة.
فلما جاء سقراط اتخذ طريقة الجدل / Dialectic / διαλεκτική، التي اشتهر بها وبرع ومهر فيها جدا، وتلميذه أفلاطون ينقل لنا بعض حواراته إذ يبدأ بنقطة ويدور بالمُخاطب إلى آخر الحوار فيبطله أو يغلبه، سقراط كان يقول أن أمه قابلةٌ أي لا تلد بنفسها بل تساعد المرأة الحاملة للولادة، فأنا أيضا كذلك يقول عن نفسه، أنا لا أعلم شيئا أنما إحاول لاستنتاج الفكرة السليمة، وعنى بالديالكتيك هذا الحوار سؤالا وجوابا، فهو كان يركز في المعنى، كأن تتكلم عن الفضيلة فما هي، مثلا فيذكر الطرف الآخر شيئا ويرد بأنه ينتقد بكذا…. فهكذا يبدأ الحوار عنده، هؤلاء الـ[السفسطائيين]/[Sophists] كان الأمر المهم عندهم في المغالطة أنهم يستيفيدون من الألفاظ، أن لفظا يطلق على شيء بوجه وعلى شيء آخر، فالمرء في الخطاب قد لا ينتبه لهذه الفروق، فالسفسطائي كان يستفيد من أوجه اللفظ هذه، أي يطلق اللفظ وهو صادق في أمر ولكنه غير صادق في الأمر الآخر، مثل كلمة العين، وقلت أن كل عين تجري وتعني به الماء الجاري، هذه عين الشمس أو الباصرة، فكل عين تجري، فهذه العين تجري، فهنا تقع مغالطة منشؤها اشتراك الألفاظ، فكثير من المغالطات من عدم التنبه للفرق بين الشيء ومثيله الذي كان يُوهمه اللفظ كثيرًا، أو استعمال المجاز كأن يطلق على شيء بوجه المجاز وهو في معناه الحقيقي مغاير ولكل أحكام وآثار ونتائج مختلفةٌ، فمن هذه يستفيد السفسطائي أي هذا الاشتباه في الألفاظ/والمعاني.

سقراط حين جاء اهتم بتوضيح المعنى، سقراط وتلميذاه أفلاطون وأرسطو، هؤلاء أكبر من قاموا ضد [السفسطائيين]، أفلاطون تابع طريقة شيخه وكتب بعض الكتب في الرد على السفسطائية، وحين بلغ الأمر لأرسطو دوَّن هذا العلم وقعده، دون في كتب ورسائله المنطقية عن الأحوال التي يكون فيها الاستدلال صحيحا أو خاطئًا، فالحاجة إلى تدوين المنطق كان بسبب المغالطة. الذي عمله أرسطو أنه دون المفاهيم، وجعلها في طبقات معينة، أي للتفكير السليم لا بد من مفاهيم متعينة حتى لا يتعد حكم هذا إلى ذاك، فبدأ كتبه المنطقية بالمقولات/قاطيغورياس/Categories/Κατηγορίαι أولا، فهذه كانت من بيانِ أقسام الموجودات، ولنفكر بشكل سليم يجب أن يكون علمنا مطابقا للواقع، فالمفاهيم أيضا يجب أن نجعلها كما هي عليه الأشياء/الموجودات، فهذه المفاهيم قسمها أرسطو أولا في المقولات: كالجوهر وهو على طبقات، وكيفٌ… إلى باقي الأعراض، قسم المفاهيم إلى عشرة أشياء، واستفاد منها أنه إذا كان لفردٍ من أفراد قسم حكمًا أو نتيجة أو أثرا فهذا الأثر سيجوز في باقي أفراد هذا القسم، ولا يصح تعديته إلى أقسام أخرى، وبهذا استطاع ضبط المفهوم، وأرسطو يخالف شيخه أفلاطون في المُثُل والكليات، فشيخه أفلاطون يقول بالمُثل وتلميذه خالفه، ولبناءِ المنطق وأخذ المفاهيم الكلية، هو بحاجة أن تكون مفاهيم الموجودات مقسمة إلى أقسام واضحة وبعدها يشرع في المنطق، وهذه إشارة إلى بناء المنطق على الميتافيزيقيا/Metaphysics/τὰ μετὰ τὰ φυσικά، الإلاهيات، ابن سينا نفسه ذكر أن هذه مباحث إلهية/فلسفية وأنها تضر الطالب في بداية طلبه، ولكن الشيخ الرئيس ابن سينا لم ينظر إلى ما اضطر إليه أرسطو في السياق التاريخي لوضع المقولات أول المنطق لذا حذفها، في الشفاء وضعها ولكن في الإشارات والتنبيهات حذفها، وتبعه في ذلك غير واحد من العلماء بعده بحذف المقولات من البداية. أرسطو بتقسيمه الموجودات إلى هذه الأقسام العشرة مهد السبيل للمنطق، مثلا أن عرفت أن زيدٌ إنسان فالأحكام المترتبة على الإنسان ستترتب على زيد، إن عرفت أن هذا حجر فالحجر من باب الجوهر، فالأحكام المترتبة عليه تترتب على أفراده.

مجموع ما كتبه/دونه أرسطو جُمعت بعد ثلاث قرون من وفاته من مقولات، العبارات/القضايا، القياس، البرهان، والجدل، والمغالطة، هذه الكتب الستة جُمعت وسميت لوجوس/Logos, وبعد القرن الثاني والثالث من الميلاد تقريبا، أضافوا إليها الخطابة والشعر، الشراح السابقون لم يعتبروها جزءا الكتب المنطقية ومن جاؤوا بعد الميلاد بقرنين عدوها من الكتب المنطقية. فَرفوريوس/Porphýrios/Πορφύριος، هو من قدم مقدمة على كتب أرسطو وأسماها إيساغوجي/Isagoge Εἰσαγωγή ومعناها [المدخل]، وعندما ترجمة الكتب المنطقية لأرسطو نقلت هذه المجموعة كعملٍ واحد تقريبا وبلغنا المنطق بتسعة أجزاءٍ: الإيساغوجي ثم المقولات -كتب أرسطو تبدأ معها-… وباقي الكتب، وتبعه غير واحد من علماء الإسلام حتى ابن سينا، ولكن الشيخ تساءل عن المبحوث عنه في المنطق، نحن نبحث عن طرق الاستدلال، أي نبحث عن أمرين: نبحث عن [التعريف] لأنه الموصل إلى التصور المجهول، وعن [الحجة] لأنه الموصل إلى مجهول تصديقي، ولما أن المبحوث عنه هما هذين الأمرين، رأي الشيخ تقسيم المنطق إلي قسمين: قسم التصورات وقسم التصديقات. ففي المنطق إذا نبحث عن الطرق السليمة للاستدلال، وبمعرفتنا الطرق السليمة للاستدلال نعرف الطرق الخاطئة للاستدلال [المغالطة]، وهكذا بدأ المنطق، فترك أي قيد أو شرط في التعريف أو القياس سيكون [مغالطة].