المقصود في التصديقات هو الحجة, المنطقي في التصديقات يتكلم عن الحجة أي كيف يجب أن يكون حتى يوصل إلي مجهول تصديقي، ولكن الحجة / الموصل التصديقي أمر مركب من القضايا، فيجب أولا تناول القضايا. وبذا ينقسم قسم التصديقات إلى قسمين: القضايا وأحكامها، ومباحث الحجة بقسميها: الصورة، والمادة.


القضية -كم ذكرنا في مباحث الألفاظ- هي المركب التام الخبري: ما احتمل الصدق والكذب, القضية هي معلوم التصديق، أي نحن حين نصدق الشيء فتحصل عندنا قضية، الفرق بين القضية والتصديق أن الثانيَ علمٌ بالقضية والقضية هي المعلوم، وكما ذكرنا، تمتاز القضية باحتمالها الصدق والكذب، وفي غيرها فلا. هذا الاحتمال مورده من الحكاية، أي من أن هناك أمران اثنان: علمُنا وحكايتنا عنه، أي حكاية ومحكي عنه وخارج عن إدراكنا، إدراكنا يحكي عنه، هذا مقصود فيه. حين نقول: زيد قائم، فهذه حكاية عن قيام زيد في الواقع، فقيام زيد في الواقع هو المحكيُّ عنه، وعبارة زيد قائم حكاية عن ذلك الواقع، فإن طابق ذلك الواقع صار صدقا وإن لم يطابق كان كذبا. والصدق والكذب هي مطابقة الخبر للواقع وعدم مطابقته. فمورد الصدق والكذب من هذه الإثنينية، قول هو حاكٍ، وأمرٌ محكي عنه.


والأمر ليس كذلك في التصور، فهو لا يحتمل الصدق والكذب، لأن الصدق والكذب هما المطابقة وعدم المطابقة، وهذا يقتضي الإثنينية: الحكاية والمحكي عنه، وهما ليسا في التصور بل في التصديق. وهذا الاحتمال أيضا يرد من أن هذه الحكاية دالة على المحكي عنه، ولكن لما أن دلالة زيد قائم على قيام زيد ليس دلالة ذاتية بل وضعية-كما ذكرنا في أول مباحث الألفاظ- أي ليست هناك صلة ذاتية حيث يكون الدال علة أو معلولًا للمدلول، إنما بالتواضع بين كلمة زيد وشخصًا اسمه زيد، أبواه اصطلاحا على كلمة زيد فأسمياه به، ولما أن الدلالة وضعية، أي ليست هناك علاقة ذاتية بين الدال والمدلول، فيمكن أن يتحقق الدال ويتخلَّف المدلول، فلأجل هذا يحتمل الصدق والكذب. هو يدل على الصدق حقيقة، أي القضية في قولنا زيد قائم لا يدل على الكذب، بل يدل على الصدق، أي لا يدل على أن زيد ليس بقائم، بل يدل على أن زيد قائم ولكنها دلالة وضعية، ولما أن الدلالة وضعية لا ذاتية، ولا صلة بين الدال والمدلول خلاف الدلالة العقلية فلا يتخلف فيها المدلول عن الدال، ومدلولها لا يحتمل التخلف أي ليس فيها صدق وكذب. مثلا، دلالة الدخان على النار من جهة تعيين المؤثر والقطع به ليست بدلالة قطعية، أما من جهة دلالة الأثر على المؤثر أي وجود موثرٍ فهي قطعية، لا تخلف في هذا. في الدلالة الوضعية لما أنها لا علاقة بين الدال والمدلول احتمل الصدق والكذب.

إفادة

ومن هنا اندفع ذلك الإشكال الذي يقوله البعض: بالتواتر كيف يكون الخبر الظني قطعيا؟ ومعنى الخبر الظني يحتمل أن لا يكون المدلول صادقا، كما أنه بكثرة الأخبار زادت دلائل / قرائن الصدق، كذلك دلائل الكذب زادت، يعني ٧٠٪ يحتمل الصدق و ٣٠٪ يحتمل الكذب، وهذا يُحمل كذلك على الخبر الآخر… إلخ -يقصد تواتر الخبر عن سلسة من الرواة- والجواب على هذا: أن الخبر في حد ذاته لا يدل على الكذب، ففي المثال زيد قائم لا يدل على عدم القيام إنما يدل على قيام زيدٍ، فعدم قيام زيد احتمال عقلي يستخرجه وينتزعه العقل من كلامك لأن دلالته على معناه دلالة وضعية لا عقلية، فممكن التخلف فيه، فاحتمال الكذب لا لأجل أن اللفظ يدل على الكذب بل لأن دلالته وضعية، فلأجل هذا احتمل الصدق الكذب.


هذا الاحتمال حكاية عن هذه الإثنينية: علم، وشيء آخر يحكي عنه هذا العلم، فعندنا أمران اثنان لهما احتمالان:المطابقة أو عدم المطابقة، وهذا لا ينافي أن يكون خبرنا متصفا بالصدق ١٠٠٪ أو متصفا بالكذب ١٠٠٪ لا منافاة بينهما، لأن هذا الأمر ذاتي للخبر، يعني مطلق أن هذا خبر يعني أنه يحكي عن شيء، فهناك خبر وهناك واقع، عندنا أمران اثنان، إذا احتمال الصدق والكذب يستلزمه ذات الخبر، فإن خرج عن كونه محتملا للصدق والكذب خرج عن كونه خبرا، أي لم يعد خبرا. فهذا إذا لا ينافي احتمال الصدق والكذب في ذات الخبر، فمورد هذا الاحتمال إنما هو من مُطلق أن هناك أمران اثنان، والصدق والكذب كما هو معلوم المطابقة وعدمها، فما دام عندنا أمران اثنان لا علاقة ذاتية بينهما بحيث لا يمكن تحقق أحدهما دون تحقق الآخر، بل علاقة وضعية، قد يوجد الأول وينعدم الثاني والعكس، وكل واحد منهما مستقل في حد ذاته، فيحتمل أن يكونا متطابقين ويحتمل أن لا يكونا متطابقين، فكونه خبرا لكونه على هذا الوجه. فما دام عندنا إدراكٌ وواقعٌ، يحتمل الخبر لأجلهما المطابقة وعدمها، فهذا معنى احتماله الصدق والكذب. فاحتمال الصدق لا ينافي اتصافه بالصدق أو الكذب، بل إنما يتصف بالصدق لأجل أنه يحتمل الكذب أيضا ويحتمل الصدق.


القضية


تنقسم إلى

  1. الحملية: نثبت شيئًا لشيء أو ننفي شيئا عن شيءٍ، ويمثل لها بـ زيد قائم، فقائم محمول على زيد، فإما أن نثبت القيام له: إيجاب، أو ننفيه عنه: سلب. في القضية الحملية وجه التسمية باعتبار الإيجاب، النفي سلبٌ للحمل / الرابطة. تتركب من موضوع ومحمول ورابط.


  2. الشرطية: الحكم بثبوت نسبة على تقدير نسبة أخرى، أي هناك نسبتان نحكم بينهما بالعلاقة أو عدمها، أو الاتصال والانفصال. مثلا: طلوع الشمس ⇐ وجود النهار، إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، أي بين شيئين علاقة اتصال وانفصال ملازمة. الملازمة والاتصال ليس بالضرورة عن علاقة، إنما اتفاقي, العلية غير مأخوذة. صدق الشرطية ليس متوقفا على صدق طرفيها, مثل: إن كان الآن شتاءً لكنا أغقلنا الشبابيك، قضية صادقة مع كذب طرفيها، هذه النسبة أي إغلاق الشبابيك ثابت على تقدير نسبة أخرى وهي كون الموسم موسم الشتاء، فبينهم اتصال / رابطة. مثلا لو كان زيد حمارًا لنهق، فهنا هذه القضية صادقة مع كذب طرفيها، فلا زيدٌ بحمار ولا هو ناهق، لكن القضية الشرطية هذه صادقة، فهذه النسبة ثابتة على تقدير الأولى، فهي ليست بمطلقة: إن كان حمارًا! تتركب من مقدم وتال / شرط وجزاء / موضوع ومحمول.


    • متصلة:
    • منفصلة: العدد إما أن يكون زوجا أو فردا.

القضيةُ سواءً أكانت حملية أو شرطية فهي سالبة أو مُوجِبة: زيد قائم، زيد ليس بقائم، وفي الشرطية نسلب الاتصال أو الانفصال. طرفا القضية الشرطية تصديق أو قضية في ظاهر الأمر وليستا كذلك، الموضوع والمحمول موجدان فيها لكن ليس فيها حكم، فنحن لا نحكم على طرفيها على حدة مثل [ إن كانت ] (الشمس طالعة) (فالنهار موجود). فكلا الطرفين موضوع ومحمول، ولكن لا نحكم بثبوت الطلوع للشمس، أي لا نقول الشمس طالعةٌ، النهار موجودٌ، فهي شبيهة بالقضية أو بالتصديق لكنها ليست تصديقا، فلا حكم فيها. هنا القضية شرطية متصلة طرفاها حملية مجازا، ممكن أن تكون قضية شرطية طرفاها شرطية أيضا، فهنا [ إن كانت ] إن الشرطية سلبت الحكمَ من (الشمس طالعةٌ) أي النسبةَ بين الموضوع والمحمول، ومن الطرف الآخرَ (فالنهار موجودٌ) وجعلته بين الطرفين أو القضيتين، فالإيجاب والسلب بينهما [ ⇐ ]، لا في طرفي القضية الشرطية، أي: [ إن كانت ] (الشمس طالعةً) [ ⇐ ] (فالنهار موجودٌ).

في القضية الشرطية نحن لا نحكم بثبوت المحمول للموضوع كما في إثبات القيام وعدمه لزيد وعمرو، إنما نحكم بثبوت علاقةٍ بين القضيتين أو عدمها.


في الحملية زيد قائم أو زيد ليس بقائم، أو ليس زيد بقائم وحسب! في القضية الشرطية، الاتصال والانفصال / العناد، -أي في المتصلة والمنفصلة- الإيجاب والسلب يكون على هذا الاتصال والانفصال، فإن قلت: ليس بين النسبتين اتصال, فهناك قضية سالبة. [ إن لم ] (تكن الشمس طالعة [⇐] فالنهار [ليس] بموجود), فهنا نقول أنه هناك اتصال / علاقة عدم طلوع الشمس وبين عدم وجود النهار، فهذه قضية مُوجِبة، أما إن قلنا: [ليس] [ إن لم ] (تكن الشمس طالعةً [⇐] فالنهار موجود)هذه سالبة، أي ليس هناك اتصال بين عدم طلوع الشمس وبين وجود النهار ليس هناك اتصال. هناك اتصال بين النسبتين، فهي موجبة، ليس هناك اتصال بين نسبتين، فهي سالبة، والاتصال يكون بين نسبتين إجابيتين وبين نسبتين سلبيتين، أو بين نسبة إجابية ونسبة سلبية: [ إن لم ] (تكن الشمس طالعة) [⇐] (فالليل موجود) هذه موجبة، أو [ إن كانت ] (الشمس طالعة) [⇐] (فالليل [ليس] بموجود) هذه مُوجِبة أيضا، فبين طلوع الشمس وعدم الليل اتصالٌ. إيجاب القضية الشرطية في الحكم بين نسبتين، سواء أكان بينهما اتصال أو انفصال، أو كان طرفيها إيجابيتان أو سلبيتان أو أحدهم إيجاب والآخر سلب.

  1. [ إن كانت ] (الشمس طالعة) [⇐] (فالنهار موجود)، إيجاب لعلاقة اتصال بين القضيتين.
  2. [ إن كانت ] (الشمس طالعة) [⇐] (فالليل [ليس] بموجود)، إيجاب لعلاقة اتصال بين القضيتين.
  3. [ إن لم تكن ] (الشمس طالعة) [⇐] (فالنهار [ليس] بموجود)، إيجاب لعلاقة اتصال بين القضيتين.
  4. [ إن لم تكن ] (الشمس طالعة) [⇐] (فالليل موجود)، إيجاب لعلاقة اتصال بين القضيتين.

مثلا: ليس [ إن كانت ] (الشمس طالعة) [⇐] (فالنهار [ليس] بموجود) / (فالليل موجود)، هنا نفيٌ لعلاقة اتصالٍ بين طلوع الشمس وعدمِ النهار / ووجود الليل، هذه قضية صادقة سالبة، سلب لعلاقة اتصال بين القضيتين.

ليس [ إن كانت ] (الشمس طالعة) [⇐] (فالنهار موجود)، هذه قضية كاذبة سالبة، نفي لعلاقة اتصال بين طلوع الشمس ووجود النهار.

العدد إما زوج أو فرد، في القضية الشرطية الطرفان قضيتان في ظاهر الأمر، شبيهتان بالقضية، ولكن بالحقيقة القضية هكذا: إما العدد زوج أو العدد فرد، ولكن لوضوح المعنى يعبرون بهذه الصيغة: العدد إما زوج أو فرد، مثل زيد إما قائم أو قاعد, بدال إما زيد قائم أو زيد قاعد. لكن التعبير بهذه الصيغة: زيد إما قائم أو قاعد، ليس تصريحا بالقضية الشرطية المنفصلة، لكن لأجل وضوح المقصود، يتسامحون بهذه الصيغة ويجعلونها قضية منفصلة، مع أنها تحتمل أن تكون قضية حملية نتردد في محمولها، أي القائل شاكٌ في قيام زيد أو قعوده، أي بهذا الوجه ليست منفصلة، وهي غير مهمة الآن، تهمنا القضية الشرطية بطرفيها مع النسبة بينهما، مع أنَّا تسامحًا يمكن أن نعتبر القضية الحملية مُرددة المحمول قضية شرطية لها طرفان ونسبة بينهما، ولوضوح المعنى عُبر عنها بتلك الصياغة. في الشرطية المنفصلة نحكم بالمنافاة / بالعناد بينهما، فلا ترتيب بين النسبتين كما في المتصلة، ففي المتصلة ثبوت النسبة الثانية متوقف على ثبوت النسبة الأولى، بينما في المنفصلة, لما أنَّا نحكم بالعناد أو الانفصال بينهما، فلا يختلف المعنى باختلاف الموضع، أي أن نقدم النسبة الأولى مكان الثانية، خلاف المتصلة.


القضية الحملية بالنسبة للقضية الشرطية كالجزء، بسيطة، أبسط منها، فالقضية الشرطية تتركب من قضيتين.


باعتبار الموضوع

الحملية، القسم الأول للقضايا


  1. جزئي:
    كما سبق، فـالجزئي ما لا يُجوِّز / ما يمنع العقل تكثُّره أو صدقه على كثيرين.

    شخصية / مخصوصة : زيد قائم، زيد ليس بقائم.


  2. كلي: والكلي ما يُجوِّز العقل صِدقه.

  • الحكم يتعدى إلى أفراد ذلك الكلي: الإنسان نائم، لا تهمنا الماهية هنا، لكن المحمول / الحكم بالنوم على أفراد الإنسان الداخلين فيه، أي صادقٌ على أفراد الإنسان، لايهمنا كل أفراده أم البعض.


    بُينت كمية الأفراد: قضية محصورة.

    كمية الأفراد: تعني هل الحكم يصدق على جميع الأفراد أو لا، كأن نقول الحكم على جميع أفراده، الحكم على بعض أفراده. العبرة في المحصورة لا أن نذكر عدد الأفراد الصادقِ عليهم، بل الموضوع الكلي كل أفراده يصدق عليهم هذا المحمول أو لا يصدق عليهم، أو بعض أفراده، إيجاب وسلب. حال تعيين العدد تصير قضية شخصية. القضية المحصورة لإفادتها في الإيصال, أي التي تكون جزء الموصل، فهي التي تهمنا. القضية المحصورة إثنان، ولكن باعتبار الكمية: كلية، جزئية، وباعتبار الكيفية: مُوجِبة، سالبة، هي أربعة.


    موجبة

    كلية: نحكم على جميع أفراد الموضوع.

    جزئية: نحكم على بعض أفراد الموضوع.


    سالبة

    كلية: نسلب عن جميع أفراد الموضوع.

    جزئية: نسلب عن بعض أفراد الموضوع.

    القضية المحصورة أو المسوَّرة، يجب أن تحوي لفظًا دالًا على أنها مُسّورة، أي اللفظَ الدالَّ على أن الحكم على جميع الأفراد أو بعضهم، مثل أن نقول في الكلية: كل إنسان كاتب, وفي الجزئية: بعض الإنسان كاتب، أو في السلب: لا شيء من الإنسان بحجر، بعض الحجر ليس بأبيض. وفي كل لغة ما يُقابل الألفاظ الدالة على السور في العربية.


  • لم تُبين كمية الأفراد: قضية مهملة. تفصيلها فيما بعد.


    الحكم لا يتعدى فهي قضية طبيعية : الإنسان نوع، -الإنسان كلي، الناطق فصل، الحيوان جنس إلخ، فهنا الحكم على الحقائق فقط لا أفراده، صحيح أنه الإنسان نوع، لكن النوعية لا تصدق على الأفراد. الحكم لا يتعدى إلا الأفراد، هي ماهية الإنسان لا أفراد الإنسان.


باعتبار السلب جزءا من الطرفين


السلبُ في الحقيقة هنا للربط بين الطرفين لا جزءا من الطرفين، وقد يدخل في أحد الطرفين، حينها السلب يكون معدولًا عن ما وُضع له في الحقيقة، قد عُدل به عن أصل ما وضعه له السلب، السلب كان حقه أن يدخل على النسبة بين الطرفين، فدخل في أحد الطرفين فعُدل به عن وضعه الأصلي فلأجله سمينا القضية كلها معدولة، مع أن المعدول هنا فقط السلب، لكن سمينا الكل باسم / بوصف الجزء.

  1. معدولة

    ما كان السلب جزء من أحد الطرفين، مثاله: زيد ليس بكاتبٍ، هذه قضية سالبة، أي نسلب الكتابة عن زيدٍ، ولكن في حال كانت القضية هكذا: زيد ليس بكاتبٍ نحمل عدم الكتابة على زيد، صارت قضية معدولة موجبة، العبرة بالمعنى! هنا ليس بكاتبٍ = عدم الكتابة، بهذا الاعتبار حملناه على زيدٍ، أي أن القضية تحتمل الوجهين. هنا المناطقة عامة يصطلحون على أن ليس للسلب، لا وغير للمعدولة، فالعبرة بالمعنى سواء اختار ليس أو لا أو غير، فالمقصد أن نحمل عدم الكتابة هنا على زيد، ولكن إن كانت القضية هكذا: «ليس» زيد بكاتبٍ فهنا احتمال واحد، سلبُ الكتابة عن زيد، أي قضية سالبة لا احتمال للإيجاب العدولي هنا. المقصد في مثال زيد ليس بكاتبٍ، هو هل نحمل عدم الكتابة على زيد أم نسلبه عن زيد، فالثانية قضية محصلة سالبة، والأولى معدولة موجبة. إن كانت هناك رابطة: زيد «هو» ليس بكاتب, هنا القضية موجبة، لأن «هو» يدل على الربط، والسلب لم يدخل عليه لذا إيجاب، لكن زيد ليس «هو» بكاتبٍ هنا تصريحٌ بالسلب، السلبُ دخل على الرابط فسلبه. قد يستعمل المناطقة ليس بمعنى العدول، ولكن عامة في الكتب ليس للسلب، لا وغير للعدول. الأصل حين نقول القضية المعدولة هو هذا: زيد ليس بكاتبٍ، السلب دخل على المحمول. المتأخرون فصَّلوا وقالوا أن السلب قد يكون في المقدمة: اللاكاتب حيوان، هنا معدولة الموضوع، الأصل في العدول هو معدولة المحمول، أي عند إطلاق القضية المعدولة فهي معدولة المحمول. 

«ليس» زيد بكاتبٍ قضية مُحصَّلة سالبة. بعضهم سموا القضية السالبة غير المعدولة بالمحصلة، وبعضهم خصوها باسم، قالوا إذا كانت سالبة فبسيطة، السالبة البسيطة، أي إذا كان السلب جزءا من الجزء أو جزءا من أحد الطرفين فالقضية معدولة، إن لم يكن السلب جزءا من أحد الطرفين، فالقضية مُحصلة، وهي قد تكون سالبة أو مُوجبة. بعض المناطقة جعلوا المحصلة وخصوها للموجبة، والسالبة للبسيطة، لم؟ لأن في السالبة المعدولة هناك سلبان، وفي السالبة سلب واحد فسموها السالبة البسيطة. كيف في السالبة المعدولة سلبان؟ أي هناك سلب للنسبة، و سلب داخل في أحد الطرفين المحمول، فالقضية السالبة غير المعدولة بالنسبة للقضية السالبة المعدولة بسيطة، أي أقل جزء منها، لأن البسيط يُستعمل في معنى عدم الجزء وبمعنى أقل جزءا. بالمختصر، من جهة الترتيب اللفظي للقضيتين: زيد ليس بكاتبٍ و «ليس» زيد بكاتبٍ، ففي المثال الأول «ليس» جزء من من طرف القضية وهو المحمول، فالقضية هنا تحتمل السلب والإيجاب أو العدول، وفي الثاني مُقدمة فلا تحتمل إلا وجها واحدا وهو السلب ولا تحتمل العدول.

الأصل في العدول هو عدول المحمول. القضية زيد «ليس بكاتب» تحتمل السلب والإيجاب، بمعنى أنقصد حمل عدم الكتابة على زيد أم سلبها، أما القضية ليس زيد بكاتب فهنا تصريح بالسلب، وليس ليست جزءا من المحمول. المتأخرون فصلوا وذكروا أن القضية قد تكون معدولة الطرفين أو معدول الموضوع أو معدولة المحمول، لكن هنا والأصل عدول المحمول.


  1. محصلة

    ما ليس السلب جزءا من طرفيها.


باعتبار المادة


بما أن القضية فيها نسبة وحكم، فهناك إيجاب وسلب، كيفية وكمية ومادة, والمادة هي كيفية النسبة، ولكل نسبة كيفية. لنفرض مثلا نسبة ليست بالتامة الخبرية، أي نسبة إنشائية أو تقيدية مثل قيام زيد، والنسبة التقليدية بمعنى الموصوف والصفة: زيدٌ القائم, بما أنَّا هنا ربطنا بين أمرين، فهذه النسبة بينهما لها كيفية. أو مثلا كتاب زيد، فهذه النسبة بينهما إضافة وهي لها كيفية، ويفهم منها أن الكتاب مِلكه، لكن إن قلنا نوم زيد، وهي نسبة إضافة لا يعني أن النوم مِلك زيد، جُلُّ الفرس ليس ملكه، بل فيه نوع اختصاص واختلف المعنى هنا، فالمادة تعني البحث عن كيفية هذه النسبة وبها يختلف مفهوم القضية. ومثل نسبتين تامتين إنشائيتين كلاهما نهي، ولكن باختلاف الكيفية: لا تلبس البطانية، لا تترك الصلاة، ففي الأولى لأجل أن الفصل صيفٌ، ولبس البطانية لغرض الاستدفاء والاحتماء من البرد، والثانية لما يترتب على ترك الصلاة من عقاب، ففي المثالين اختلف كيفية النهي. ومثل مجيء التلميذ وأستاذه، كلاهما مطالبان بالإتيان ولكن صدق المجيء بكيفية للأستاذ وللطالب بكيفية أخرى، بمعنى أن كلاهما مطالبان بالإتيان، ولكن إتيان الأستاذ أو توظيفه توظيف أستاذ، سيد مجلسه وفصله، أما الطالب فهو إتيانه إتيان طالب.

فالقضية الموجهة هي قضية بُيِّن فيها كيفية النسبة.


كيفية النسبة حاضرة في الأحكام الشرعية ومسائلها، أي أوجه التحريم والجواز والكراهة إلخ. الوجوب كيفيةٌ، مثلا يُقال في الفرعيات -الفقه- وهو بحث يبحث عن كيفية العمل، ولا تخلو نسبة عن كيفية. الكيفية حاضرة في كل نسبة: تامة، ناقصة، خبرية، إنشائية، وصفية، غير وصفية، إضافية. فالكيفية التي تتصف بها النسبة في نفس الأمر المنطقي يسميها المادة، والتعبير عنها جهة. مثلا الإنسان كاتب بالفعل، والإنسان حيوان بالضرورة، هنا بالفعل، والضرورة جهة، والقضيتان التي ذُكرت فيها الجهة قضية موجهة. فثبوتُ أمر لأمر بكيفياتٍ مختلفة يختلفُ به الأمر. مثلا: ثبوت الحيوانية للإنسان ضروري، المشي يثبت للحيوان والحيوان يثبت للإنسان، ولكن ثبوت الحيوان للإنسان على وجه الضرورة، وثبوت المشي بالفعل للحيوان هو بالفعل، لأنه قد لا يمشي الحيوان وليس ضروريا كثبوت الحيوانية للإنسان، فلا نستطيع أن نُثبت المشي للإنسان بالضرورة، نحن نستطيع أن نٌثبت المشي للإنسان لأن الواسطة هي الحيوان، ولكن ثبوت المشي للحيوان لم يكن على وجه الضرورة، فلا نستطيع أن نثبت المشي للإنسان على وجه الضرورة مع أن ثبوت الحيوان للإنسان بالضرورة.

فمثلا في حال فرضنا ثبوت المشي للحيوان بالضرورة، وثبوت الحيوان للإنسان بالفعل، فالنتيجة ستختلف والحكم يختلف في تفصيله، سيثبُت المحمول للموضوع لكن حيثية / كيفية ثبوته ستختلف. فالجهة هي كيفية النسبة / وصف لها. كل إنسان حيوان بالضرورة، هذه الضرورة ليست حكما مستقلا، بل ثبوت الحيوان هنا للإنسان ضروري. أو لا شيء من الإنسان بحجر بالضرورة، سلبُ الحجر عن الإنسان ضروري، لم نقل: ليس ضروريا أن يكون الإنسان بحجر، فالمعنى سيختلف، بل الحجر مسلوبٌ عن الإنسان على وجه الضرورة، هنا لدينا سلبُ الحجر عن الإنسان مع إضافة «على وجه الضرورة»، فالمفهوم من القضية ليس ثبُوت الحجر للإنسان ليس بضروري، أو ليس ضروريا أن يكون الإنسان بحجر، لأنه في هذين المثالين المعنى المفهومُ يقتضي / يتضمن احتمال أن يكون الإنسان حجرا، إنما المراد هو أن ننتبه لكيفية النسبة، أي سلبُ الحجر عن الإنسان ضروريٌ، أي «على وجه الضرورة»، لا أن ثبوتَ الحجر للإنسان ليس بضروري، هذا المقصود بـ كيفية / حيثية النسبة.


كيفية النسبة في نفس الأمر يقال لها المادة، والتعبير عنها جهة، والقضية تسمى موجهة، والجهات أربعة:

graph RL
 
 ضرورة --> دوام --> فعلية --> إمكان 
 

ففي الضرورة ثبوت المحمول للموضوع ضروري، أي يمتنع الإنفكاك، أن نحكم بأن المحمول ثابت للموضوع وهذا الثبوت ضروري -لاينفك- وهي أخص من الدوام بمعني دوام+ وامتناع الانفكاك. وفي الدوام المحمول للموضوع ثابت دائما ما دام الموضوع موجودا، وعلى أوجه لا تذكر الآن هنا، في الدوام لا يهمنا كونه ضروريا أو لا، نقول ثابت دائما أم لا، قد يكون ضروريا، فإذا كان ضروريا فهو دائم لكن يهمنا دوام ثبوت النسبة ولا نلتفت أنه ضروري أو لا. الفعلية: هنا نحكم بثبوت النسبة، مثل: زيد قائم بالفعل، هنا يثب له القيام بالفعل، أو زيد نائم لا يعني أنه دائما نائم، إنما في زمان من الأزمنة يتصف به /يصدق عليه بالفعل، ليس المراد بالفعل هنا فعلية اللغة، أي أنا بالفعل في الغرفة الآن، ليس المراد هنا هذا، بل الفعلية قد تكون في أحد الأزمنة، المهم أن المحمول يثبت للموضوع في زمن ما، فإذا كان المحمول دائما ثابت للموضوع فسيكون بالفعل من باب أولى. الإمكان: السلب ليس ضروريا. مثلا: الإنسان كاتب بالإمكان، هنا نقول أن سلب الكتابة ليس ضروريا، وإن قلنا: الإنسان كاتب بالفعل فيعني أن الكتابة تثبت للإنسان بالفعل، ليس المراد من بالفعل الآن، إنما يعني أنه ليس فقط عدم امتناع ثبوته، بل بالفعل يثبت له. وإن قلنا: الإنسان كاتب دائما، يعني أنه دائم هو كاتب، وبالضرورة: أن انتفاء الكتابة ممتنعة عن الإنسان - وهنا للمثال فقد نذكرها لأن الكتابة قد تنتفي. الضرورة نقول لها قضية ضرورية وهي على وجوه، وكذلك الدائمة على وجوه، الفعلية نقول لها قضية مطلقة، والإمكان قضية ممكنة. الضرورة أخص القضايا والدوام أعم منه، والفعلية أعم من الدوام، والإمكان أعم من الفعلية، بمعنى أنه كلما تحققت الضرورة تحقق الدوام والفعلية والإمكان، وليس ضروريا أنه كلما تحقق الدوام تحققت الضرورة. والفعلية أعم من الدوام، أي كلما تحقق الدوام وثبت تحققت الفعلية. الإمكان هو سلب ضرورة الجانب المخالف. المناطقة يقسمون الموجهات إلى: بسيطة ومركبة. في البسيطة نثبت كيفية واحدة، وفي المركب نثبت للقضية كيفيتين على تفصيل.

المناطقة يقسمون القضية باعتبار [ذِكر الرابط وعدم ذكره] إلى: قضية ثنائية، قضية ثلاثية. فالقضية الثنائية مثل: زيد كاتب… للقضية ثلاث أركان: الموضوع، المحمول، النسبة، وكل واحد من هذه الأركان يجب أن يكون له لفظ دال عليه في كل اللغات، وقد لا يكون له لفظ دال، ففي العربية المناطقة عندما نقلوها من اليونانية والسيريانية استعلموا لها مثل: هو، كان، فإذا ذُكر في القضية هذا الرابط، سميت القضية قضية ثلاثية، مثل: زيد هو كاتب، وإذا لم يذكر سُميت بالثنائية. أما إن ذكر في القضية جهة فيقال لها قضية رباعية، سواء ذكر الرابط أم لم يذكر لأنه إن لم يكن الرابط غير مذكور والجهة مذكورة وقلنا عنها قضية ثلاثية فسيكون هنا اشتباه، [فالثلاثي مختص بالرابط]، و[الرباعي مختص بالجهة]، ويقال لها المنوعة/القضية الموجهة.